صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

103

حركة الإصلاح الشيعي

وأصول الفقه ، ثم إنه ندم على ذلك لأن الشيخ توفي في أثناء إقامته في النجف « 122 » . ونرى بوضوح من خلال هذا المثل تفضيل الفقه والأصول على غيرهما من العلوم ، وهو أمر لا بد أن نحاول إيجاد مسوّغ له . ولقد رأينا أن هذين العلمين في الشرع الإسلامي يشكلان معا عصب الدراسة ، وأن الباقي كان يترك لتقدير الطلاب والمشايخ . وكان على هذا العصب أن يخرّج المشترعين والقضاة أولا نظرا لضرورتهم الملحة في المجتمع . ولذلك فإن الهدف كان هدفا عمليا مباشرا . وكان بإمكان الطلاب الراغبين في العمل على العلوم الأخرى أن يقوموا بذلك لإغناء معلوماتهم ولاكتساب معارف أخرى ؛ إلا أنهم كانوا في سبيل ذلك يحتاجون للوقت الكافي ولمعرفة أي الدروس يتبعون وعند أي شيخ ، وبالاختصار ، يحتاجون أن يكونوا على معرفة بأوساط رجال الدين ومسالكهم . أما الطالب الشاب الذي يكون قد وصل إلى النجف وهو حديث العهد بها ، فإنه قد يضيع إن لم يكن له فيها لا كافل ولا مرشد ولا ناصح . ولعلّ الذين ولدوا في أسرة من العلماء يكون حظهم أكبر في الاهتداء إلى سبيلهم . ومن السهل تصور حالة اليسر لدى عبد الحسين شرف الدين ، وقد استقبله أخواله لدى وصوله إلى بيت جدّه ، وكرّموه وهم جميعا من المجتهدين . ولو قارنا وضعه بوضع ذلك الطالب الشاب الذي أتى إسماعيل الصدر يوما في سامراء يطلب منه دروسا في النحو ! ومع أن السيد ارتضى مساعدته إلا أن الطالب ، لما أعلمه أحد رفاقه بمقام السيّد ، لم يدر كيف يعتذر منه « 123 » . وكانت الوظيفة الأولى لتعليم الفقه والأصول أن تخرّج الفقهاء ؛ ولم يكن ذلك بالأمر اليسير بعد ما طرأ من تغيير ، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر « 124 » ، على هذه العلوم وعلى طريقة تعليمها . وقد استنفر هذا التغيير همم المشايخ ؛ فهم وإن لم يكونوا أصحابه ، فقد كان عليهم أن يتمثلوه قبل أن يستطيعوا نقل هذا المنهج « الجديد » . وعلى أي حال فقد كان للتطورات المستجدة في الفقه والأصول أثر في دور المجتهد ، مما يفسر الاهتمام الخاص ، لا بل الوحيد ، الذي كان يستأثر به هذان العلمان في ذلك الحين . وأما الوظيفة الثانية لهذا الاستغراق في تعليم الفقه والأصول ، فلعلها كانت في اختيار العناصر الجيدة من الطلاب ، وهم المجتهدون العتيدون ، وفي التأمل في مسائل السياسة والأخلاق التي كانت موضع اهتمام مجتمع المؤمنين بصورة عامة . وكان على هؤلاء أن يتلقوا دراسة أعمق وأكثر تنوعا من غيرهم ، وكان بإمكانهم أن يقوموا بها في النجف ، أكان ذلك في العلوم الدينية أم في العلوم غير الدينية . ولم تكن هذه المعرفة الأوسع تمكنهم من الإجابة على مساءلات المجتمع فحسب ، بل إنها كانت أيضا وسيلة إضافية لتأكيد شخصيتهم وفرادتهم وتميزهم عن الآخرين . وكانت النجف زاخرة بمشايخها ومكتباتها ، حيث كان بالإمكان

--> ( 122 ) . أنظر سيرته ص 106 . ( 123 ) . أنظر بغية الراغبين ، المجلد الأول ، ص 210 . ( 124 ) . هذا التغيير فرضه الشيخ مرتضى الأنصاري وسوف نبحثه في الفصل الآتي .